الشيخ السبحاني

98

رسائل ومقالات

ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الأئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي ، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها ، كالأعيان ، وأوجبوا تضمين الغاصب أُجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب ، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال : وهذا الاجتهاد أوجه وأصلح . « 1 » أقول : إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول اللَّه قضى أنّ الخراج بالضمان . « 2 » فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع ، وذلك لأنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له ، ولكن الاجتهاد غير صحيح جداً ، لأنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة ، مثلًا : إذا اشترى عبداً أو غيره فيستغلّه زماناً ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع ، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن ، ويكون للمشتري ما استغله ، لأنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء ، والباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره : الخراج مستحق بالضمان ، أي في مقابلة الضمان ، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع . هذا هو معنى الحديث ، وعليه شرّاح الحديث « 3 » ولا صلة للحديث بغصب الغاصب مال الغير واستغلال منافعه . والذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلًا اشترى عبداً ، فاستغلّه ثمّ وجد به عيباً فردّه ، فقال : يا رسول اللَّه إنّه قد

--> ( 1 ) . المدخل الفقهي العام : 2 ، برقم 544 . ( 2 ) . مسند أحمد بن حنبل : 6 / 49 ؛ وسنن الترمذي : 3 ، كتاب البيوع برقم 1286 ؛ وسنن النسائي : 7 / 254 ، باب الخراج بالضمان . ( 3 ) . لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي على سنن النسائي وغيره .